أكرم القصاص

هناك علامات

هناك علامات وخطوط كاشفة، فى تفجير حارة الدرديرى بالدرب الأحمر، وبالطبع يصعب على الشخص العادى أن يقدم تحليلا حاسما للحادث الإرهابى، مثلما يفعل بعض المدعين على مواقع التواصل. لكن أهم نقطة واضحة هو حجم الجهد الذى بذلته وما تزال أجهزة البحث الأمنى تبذله للتوصل إلى الإرهابى، بعد زرع قنبلة لاستهداف قوات الأمن فى الجيزة. فقد تم تفريغ عشرات الكاميرات وتحليل الفيديوهات لتتبع خطوات الإرهابى، الذى اتخذ لنفسه وكرًا فى مكان مأهول ومزدحم. 
 
ما يتوفر من معلومات حول الإرهابى الحسن عبد الله العراقى، الذى فجر نفسه أثناء محاولة ضبطه بعد التوصل إليه من قبل رجال الأمن. أنه وراء إلقاء عبوة ناسفة لاستهداف قوات الأمن عند مسجد الاستقامة بالجيزة، واضح أن الإرهابى كان مكلفًا بتنفيذ أكثر من عملية، وهناك خيوط تربطه بخلية أو أكثر وهو ما يمكن أن تكشف عنه الساعات المقبلة. ومن حجم وشكل التفجير لسنا أمام مجرد متفجرات بدائية لشخص مرتبك، لكنه تصرف  محترف ينوى استهداف أعداد أكبر، وأحد الفيديوهات تظهره بالقرب من مديرية أمن القاهرة. وإن كانت عملية الـتأمين تجعل هناك صعوبة فى تنفيذ عملية فى المكان.
 
فيما يتعلق بشخصية الإرهابى فهو من أسرة ميسورة إلى حد كبير، والده طبيب كانت له عيادة، سافر إلى الولايات المتحدة واستقر هناك، وهو نفسه متعلم وخريج جامعة، سافر مرة إلى أمريكا وعاد، وواضح من تحركاته أنه مدرب على التحرك بدراجة، وتركيب المتفجرات، وفى وكره تم الكشف عن مصنع صغير لتصنيع المتفجرات، بما يعنى أنه مدرب ومجهز بشكل احترافى، هناك احتمال لأن يكون جزءًا من خلية أكبر أو ذئبا منفردا تم تدريبه وتجهيزه ليتحرك بناء على تعليمات. وبالطبع فإن ماهو متاح من معلومات، لدى أجهزة الأمن يحسم التفاصيل المتعلقة بالأمر. 
 
ظهور الفيديوهات كانت ردا على منصات الدعاية للإرهاب فى الخارج والداخل ممن يحاولون طوال سنوات التشكيك، ولا يمكن الفصل بين منصات الدعاية وبين منفذى العمليات الإرهابية. وهناك روابط واضحة بين منصات الدعاية وبين الإرهاب بأشكاله وأنواعه، حيث أصبحت قنوات تركيا منصات واضحة للتحريض والتبرير والتشكيك، فى حزمة واحدة. والواقع يشير إلى أن عشرات ومئات العمليات الإرهابية يتم مواجهتها وإفشالها، وتتحرك منصات الدعاية فى طريقين، الأول التشكيك، والثانى التحريض والتضخيم. لكن الكاميرات كانت حاسمة.
 
وهناك تأكيد على أهمية كاميرات المراقبة كجزء من مواجهة الإرهاب والجريمة عمومًا، الكاميرات ساعدت فى تتبع الإرهابى بعد عملية مسجد الاستقامة الفاشلة، وهى ليست المرة الأولى التى تنجح كاميرات المراقبة فى الكشف والمساعدة فى التوصل للإرهابيين. وهو تأكيد على وجود شبكة مراقبة توظف التكنولوجيا بتوسع لمواجهة الإرهاب والجريمة. 
 
نحن أمام إرهاب معولم، له امتدادات واتصالات وعلاقات دقيقة، تتطلب عملًا على أعلى مستوى، وتكشف حجم الجهد الذى تبذله أجهزة المعلومات والأمن. وتعيد التذكير برسائل مصر للعالم حول ارتباط الإرهاب الإقليمى والعالمى بجهات ودول وأجهزة ومنصات دعاية. ولم تعد هناك حواجز تفصل بين الإرهاب الإقليمى والمحلى، وما يزال مصير إرهابيى داعش فى سوريا  تحت النقاش، بعد دعوة الرئيس الأمريكى حلفاءه الأوربيين باستعادة 800 داعشى وأسرهم وتهديده بأن يخلى سبيلهم.
كل الطرق تشير الى إرهاب معقد، له امتدادات خارجية وليس مجرد عمليات محلية ساذجة، ومع هذا يتم كشف خيوطه وإحباط أعداد كبيرة بفضل جهود جنود مجهولين يعملون على أقل المعلومات، وشهداء يقدمون حياتهم لحماية المواطنين وتأمينهم.

القسم: 

بعد سنوات

بعد سنوات ظل فيها تنظيم داعش يمثل مشكلة شرق أوسطية بالنسبة لأوروبا، أصبح يشكل تهديدًا مباشرًا لأوروبا، وصل إلى أن تتبرأ دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا من مواطنيها، وترفض دعوة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لتسلم مواطنيها. وأصبح إرهابيو داعش كرة تتقاذفها الولايات المتحدة وأوروبا.
 
بعد أسابيع من قراره بسحب القوات الأمريكية من سوريا، طالب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب حلفاءه الغربيين بتسلم الدواعش من مواطنيهم المأسورين بين أيدى القوات الأمريكية وحلفائها من قوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية. وقال ترامب «يتعين على بريطانيا وفرنسا وألمانيا وحلفاء أوروبيين آخرين استعادة أكثر من 800 من مسلحى داعش أسروا على الأراضى السورية»، وقال ترامب على تويتر: «الخلافة جاهزة للسقوط، والبديل ليس جيدا وقد نضطر لإطلاق سراحهم»، محذرا من أن هؤلاء الدواعش «قد يحاولون التسلل إلى أوروبا».
 
لكن رد الفعل الأوروبى كشف عن غياب أى خطط للتعامل مع مئات الدواعش، وقالت وزيرة العدل الفرنسية نيكول بيلوبيه، إن بلادها لن تتخذ أى إجراء حاليًا للتعامل مع دعوة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لحلفاء أوروبيين باستعادة مئات من مقاتلى داعش الإرهابى من سوريا، وستعيد المقاتلين على أساس مبدأ «كل حالة على حدة» وقالت لقناة فرانس 2 «هناك وضع جيوسياسى جديد فى ظل الانسحاب الأمريكى، ولن نغير سياستنا ولن تستجيب فرنسا لمطالب ترامب».
 
وترفض الحكومة الفرنسية استعادة المقاتلين وزوجاتهم رفضًا قاطعًا. ووصفهم وزير الخارجية جان إيف لو دريان، بأنهم «أعداء الأمة» الذين يجب أن يمثلوا أمام العدالة سواء فى سوريا أو العراق. فيما أشار وزير الداخلية كريستوف كاستانير أواخر يناير، إلى أن انسحاب الولايات المتحدة من سوريا أجبر فرنسا على الاستعداد لعودة عشرات المتشددين الفرنسيين الذين تحتجزهم سلطات كردية مدعومة من واشنطن، وتحاول باريس بالفعل إعادة القصّر على أساس مبدأ كل حالة على حدة. بينما تقدر مصادر عسكرية ودبلوماسية أن قوات سوريا الديمقراطية التى يهيمن عليها الأكراد تحتجز نحو 150 داعشيا فرنسيا.
 
وعلى نفس طريق فرنسا تسير ألمانيا فيما يتعلق باستعادة الدواعش الألمان، حيث ردت ألمانيا بفتور على مطالب ترامب، وقالت إنها لا يمكن أن تستعيد مقاتلى داعش إلا بعد زيارات قنصلية.
 
الرئيس الأمريكى ترامب يصر على قرار بسحب القوات الأمريكية من سوريا بعد تحقيق النصر على داعش، ويقول «نفعل الكثير، وأنفقنا الكثير، وحان الوقت كى يقوم آخرون بالمهمة. سننسحب بعد انتصار على الخلافة بنسبة 100 فى المئة».. وبالرغم من تشكيك روسيا فى ما أعلنه ترامب باعتبار أن التدخل الروسى كان العامل الحاسم فى هزيمة داعش، فإن قرار الانسحاب أثار مخاوف باريس وعواصم أوروبية بشأن احتمال محاولة الإرهابيين العودة إلى بلدانهم.
 
وتشير الأمم المتحدة إلى أن التنظيم لا يزال لديه، 14 إلى 18 ألفًا من المسلحين فى العراق وسوريا، من بينهم ثلاثة آلاف أجنبى. بينما هناك تقارير تقدر عدد الإرهابيين بـ40 ألف وعدد الأجانب بعشرة آلاف. وفى حال تسلل دواعش أوروبا لبلدانهم أو إلى القارة فقد يعيدون تنظيم صفوفهم مالم يحصلوا على مجال آمن، وفى حالة تضييق الخناق فى ليبيا بعد سوريا والعراق، فإن الدواعش يمثلون قنابل إرهابية جاهزة للانفجار.

القسم: 

منذ الموجات

منذ الموجات الأولى للإرهاب كانت له دائمًا علاقات إقليمية ودولية، بلغت ذروتها بعد انتهاء حرب أفغانستان، وكان العائدون من أفغانستان ومن ألبانيا يمثلون موجات للعمل بتوجيهات خارجية، اليوم فإن داعش تمثل أحد مصادر الإرهاب المحتملة، والتى تمثل موضوعا للجدل بين الدول الأوروبية وأجهزتها الأمنية.
 
وقد يجد البعض صعوبة فى الربط بين الإرهابيين فى سوريا ممن ينتمون لداعش وبين الإرهابى الانتحارى الذى فجر نفسه فى الدرب الأحمر، وعلاقة هؤلاء بالإخوان.  لكن هناك ألغاز تحيط بحالة الإرهابى الحسن عبد الله العراقى وأسرته، فوالده هرب تقريبًا من مصر، وشقيقه هناك روايات لشهود قالوا إنه سافر إلى أفغانستان وأن الأسرة تحمل الجنسية الأمريكية. فهل كان على اتصال بأسرته أم أنه انقطع عنهم، وأين تلقى التدريبات على التفخيخ، وكيف وصل إلى درجة الكراهية تجاه مواطنيه، خاصة أنه يبدو محترفًا فى الإرهاب. بدليل حجم وشكل المتفجرات والأدوات المضبوطة فى وكره، ومنها قنبلة زمنية تم ضبطها وكميات من الأدوات الخاصة بتركيب المتفجرات. وبالرغم من سقوط ثلاثة شهداء، فقد منعوا عددًا من العمليات الإرهابية كان الإرهابى يتجه لتنفيذها. حتى الآن لم يظهر أى طرف من أهل الإرهابى وأسرته.
 
نحن بصدد إرهاب يتجاوز المحلية، إلى امتدادات وعلاقات مع الخارج، ويصعب تصور أن يكون الإرهابى وحده، التحقيقات وتحليل المعلومات والعلاقات والاتصالات ربما تكشف عن تفاصيل أخرى، تتعلق بخلايا الإرهاب، وهل هناك علاقات واتصالات للإرهابى الحسن عبد الله مع جهات أخرى بما يشير إلى خلية أو عدة خلايا. وهى تحقيقات تكشف عن صعوبة عمل ضباط الأمن الوطنى وتتم بجهد كبير، وليس على طريقة خبراء السوشيال ميديا ممن يحترفون تحليل الأحداث وهم جالسون أمام شاشاتهم ويدعى كل منهم خبرات أمنية لا نهائية، كأنهم تخرجوا من اسكوتلاند يارد. 
 
وعلى ذكر اسكوتلاند يارد فإن بريطانيا ودول أوروبا ترفض استعادة الدواعش من مواطنيها الذين يطلبون العودة، ضمن جدل حول مصير الدواعش العرب والأجانب فى سوريا والعراق، بعد الهزائم التى تلقاها التنظيم فى سوريا والقبض على بعضهم، وهروب البعض الآخر. الأمر الذى يفتح الباب لأسئلة حول مصائر الدواعش الهاربين.
 
 وهناك تقديرات ما بين ألف إلى عدة آلاف من إرهابيين مدربين، طلب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب من حلفائه الأوربيين تسلمهم، وهدد بإطلاقهم ليعودوا على طريقتهم. وحذر الأوربيين من أنهم قد يشكلون تهديدا. لكن بريطانيا رفضت تسلم داعشية من مواطنيها وأسقطت عنها الجنسية وهو نفس موقف فرنسا وألمانيا وباقى دول أوروبا. وهو ما يشير إلى المزيد من التحول فى شكل ومضمون الإرهاب ضمن عملية عولمة متعددة، تجعله  خارج النطاقات المحلية.
 
بالعودة إلى إرهابى الدرب الأحمر، فإن الربط يظهر من عدة جوانب، أولها التاريخ الغامض للإرهابى الحسن عبد الله، وأسرته وعلاقتهم بخيوط خارجية فى أمريكا وأفغانستان، فضلًا عن العلاقة بين منصات الإخوان فى تركيا وقطر، وتحريضها على الإرهاب،من جهة،والدفاع عن الإرهابيين وتصويرهم على أنهم مجرد نشطاء سياسيين من جهة أخرى. ثم أن تركيا كانت ممرًا لدخول وخروج الدواعش من وإلى سوريا. ومكانًا لعلاج جرحاهم وهناك تقارير تحدثت عن عمليات تهريب لدواعش من سوريا وإعادة توزيعهم إلى مناطق أخرى. كل هذا يجعل هناك احتمالات لأن تكون العمليات الإرهابية لها امتدادات وعلاقات بالخارج ربما تكشف عنها عملية تحيل الخيوط وهى عملية صعبة لكنها ستكشف الكثير من التفاصيل.

القسم: 

لم تكن

لم تكن شهادة مراسل «بى بى سى» حول فبركة الهيئة البريطانية لأدلة الكيماوى فى الغوطة إبريل الماضى هى وحدها التى تكشف عن وجود تعمد للتزييف وليس مجرد خطأ، والدليل كما ساقه الروس أن بريطانيا كانت أكثر دول الناتو تحمسا لضرب سوريا، بما يعنى أن تقرير «بى بى سى» مصنوع بوعى وتعمد لتقديم أدلة، وبالفعل فإن تريزا ماى رئيسة الوزراء البريطانية كانت أكثر زعماء الناتو اندفاعا لضرب سوريا قبل انتظار نتائج أى تحقيقات دولية، وهو ما أشار إليه مراسل «بى بى سى» ريام دالاتى فى تغريداته التى أعلن فيها أنه بعد تحقيق لمدة ستة أشهر اكتشف أن مشاهد الضحايا فى فيلم «بى بى سى» مفبركة، وقال ديلاتى إن دولة أخرى غير روسيا كانت تعرف أن هذه الأدلة مفبركة ربما فى إشارة إلى بريطانيا.
 
وربما يكون تورط فرد فى فبركة موضوع أو تحقيق خطأ، لكن تكرار ارتباط المنصات الإعلامية الكبرى بالفبركة خاصة فى القضايا الدولية الكبرى ينسف الكثير من الادعاءات عن مهنية هذه المنصات وخطاباتها المثالية حول الموضوعية.
 
وما تزال قضية تورط منصات كبرى فى ترويج معلومات تافهة حول أسلحة الدمار الشامل فى العراق قائمة، وقد اعترف بذلك ديد تشينى نائب الرئيس الأمريكى جورج دبليو بوش، ويروى كولن ياول فى مذكراته أنه قال إن الأدلة غير واضحة وإنه كان يشعر بالعار وهو يتحدث أمام مجلس الأمن حول أدلة يعرف أنها مزيفة.
 
اللافت للنظر أن لندن كانت دائما فى مقدمة الداعمين لأى عملية غزو أو إسقاط لأنظمة إقليمية، ودائما كانت لدى بريطانيا تقارير جاهزة حتى لو كانت تخلو من الأدلة تستند إليها، مثلما جرى مع فيلم «بى بى سى» رئيسة وزراء بريطانيا تريزا ماى على نهج سابقيها من رؤساء الوزراء البريطانيين، الذين ساهموا بنصيب وافر فى كل الغزوات بالمنطقة العربية.
 
بريطانيا كانت على رأس قوات غزو العراق، وكان رئيس الوزراء البريطانى الأسبق تونى بلير أهم شركاء جورج دبليو بوش فى غزو العراق، بلير اعترف بأن غزو العراق تم بناء على معلومات استخبارية خاطئة، وفى 15 أكتوبر 2015 اعترف لـ«سى إن إن» أن الغزو كان سببا رئيسيا فى ظهور داعش واتساع الإرهاب والتنظيمات الإرهابية.
 
كما اعترف ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطانى السابق، بأخطاء الناتو فى تدمير ليبيا وتسليمها للفوضى والإرهاب وداعش.
واليوم تأتى شهادة منتج ومراسل «بى بى سى» حول فبركة الهيئة البريطانية لفيلم الكيماوى، لتنضم إلى شهادات سابقة لمنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان السويدية التى كشفت عن ضلوع منظمة الخوذات البيضاء فى تمثيل وفبركة صور وأفلام حول الكيماوى فى سوريا كانت سببا لتدخلات سمحت بنمو وتوسع التنظيمات الإرهابية على أراضى سوريا والعراق، وهذه المؤشرات تقدم مؤشرات على شكل السياسة الدولية التى تقوم بالأساس على مدى النجاح فى تسويق السياسات وبيع أدلة الصراع على مستوى دولى حتى لو كان ذلك عن طريق تزييف الأدلة والتلاعب فى الكلمات والصور.
 
يقول جون بلجر، الصحفى المخضرم والمراسل الحربى ومخرج الوثائقيات الأسترالى الأصل: «هناك رقابة غير مرئية تعيد تشكيل الإعلام الغربى لصالح السياسة والتوسع والتلاعب»، ويكشف بلجر فى كتابه «الحرية فى المرة القادمة»، كيف يمارس الإعلام الغربى بأغلبيته لعبة التهميش والإبراز، يضخم من أقل تهديد لأمنه، ويتجاهل عشرات الآلاف من الضحايا خارج أوروبا، حتى فى تغيير الأسماء والمصطلحات فأعضاء داعش مسلحون أو متمردون فى تعبيرات منصات إعلام الغرب لكنهم يحصلون على اسم إرهابى إذا تعلق الأمر بهجوم فى أوروبا، وحتى التقارير الحقوقية يتم توظيفها سياسيا وبالطلب إذا لزم الأمر. وبعض المنظمات تصدر تقارير لصالح من يدفع أو ضد صوم الممولين وهى لعبة تبدو مكشوفة فى ظل اتساع أدوات التواصل وتقنيات كشف الفبركة، لكن فى كثير من الأحيان يتم كشف التزييف والفبركة بعد فوات الآوان مثلما جرى مع سوريا مرتين واحدة عام 2016 وتم على أثرها قصف سوريا بصواريخ، والثانية إبريل الماضى حيث تقرير «بى بى سى» المفبرك، حيث تم قصف مواقع سورية بالطائرات، الأمر الذى يكشف عن حجم التحالف بين أجهزة تدفع للحرب ومنصات إعلامية تقود الدعاية بأفلام وصور مزيفة، فيما يبدو نوعا من تحالف بين سماسرة الدعاية وسماسرة الحرب.

القسم: 

تجددت معركة

تجددت معركة الموضوعية والفبركة فى وسائل الإعلام الدولية، وتوظيف الصور والفيديوهات لأهداف سياسية، وذلك على خلفية ما كشفه أحد العاملين فى هيئة الإذاعة البريطانية بى بى سى، حول فبركة فيلم عن ضحايا الكيماوى فى سوريا شنت قوات التحالف بناء عليه هجمات ضد مواقع سورية العام الماضى، وفى 7 إبريل 2018 نقلت وسائل إعلام غربية تقارير عن الجمعية الطبية السورية الأمريكية، ومنظمة الخوذ البيضاء، إعلانهما فى بيان مشترك، عن مقتل 49 شخصا جراء استخدام القوات السورية سلاحا كيميائيا فى مدينة دوما فى الفوطة، وبناء عليه شن حلف شمال الأطلسى ضربات على مناطق فى سوريا قال إنها مصانع إنتاج الكيماوى.
 
ومن بين التقارير الإعلامية التى تم على أساسها قصف سوريا تقرير بالفيديو نشرته «بى بى سى» فيلما قالت إنه لضحايا الكيماوى فى مستشفى دوما شرقى دمشق عقب هجوم كيميائى، لكن مؤخرا كشف المنتج والمراسل فى هيئة الإذاعة البريطانية «بى بى سى»، ريام دالاتى، عن فبركة مشاهد الهجوم الكيميائى فى مستشفى دوما بسوريا، وأعلن فى تغريدات على «تويتر» أنه أجرى تحقيقات على مدى 6 شهور، واكتشف أن المشاهد التى قيل إنها صورت فى مستشفى مدينة دوما بالغوطة الشرقية، يوم الهجوم الكيميائى فى إبريل الماضى كانت «مجرد مسرحية».
 
الخارجية الروسية قالت إن ما كشفه مراسل «بى بى سى»، يؤكد ما ذهبت إليه روسيا وقتها عندما أكدت أن المشاهد مزيفة، وأن شهادة مراسل الهيئة البريطانية تثبت تزوير التحالف الغربى للوقائع المتعلقة بتلك الحادثة. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا: «نتيجة تزوير التحالف الغربى بقيادة أمريكا للوقائع حول هجوم دوما تم شن عدوان جوى على سوريا، ونحن كشفنا هذا التزوير، لكن الغرب اختبأ وراء روايات شهود العيان المزعومين الذين شاركوا فى الدعاية لتعزير صحة مزاعم التحالف».
 
وعلّقت «بى بى سى» أن مراسلها دالاتى تحدث عن اللقطات فقط، ولم ينف وقوع الهجوم على الغوطة، لكن الروس ردوا بأن الغرب لن يتوقف حتى لو اكتشفوا فبركة الأدلة، لأنهم ضالعون فى هذه الفبركة لتبرير عدوانهم.
وتظل القضية معلقة ومجالا للجدل بين روسيا والتحالف الغربى، حيث ما تزال اتهامات بريطانيا لروسيا بمحاولة اغتيال عميلها السابق فى لندن سيرجى سكريبال بالكيماوى قائمة.
 
وهى ليست المرة الأولى التى يجرى فيها الحديث عن فبركة أدلة استعمال الكيماوى، ففى 2016 أثيرت قضية قصف بالكيماوى، وشنت الولايات المتحدة ضربات بالصواريخ، بناء على تقارير منظمة «أصحاب الخوذات البيضاء»، والتى كانت مصدر الصور، وبعد شهور كشفت منظمة «أطباء سويديون من أجل حقوق الإنسان» تقريرا كشفت فيه عن ما أسمته «خداع الخوذات البيضاء»، قالت إن أعضاء «الخوذات» زيفوا الصور والفيديوهات، حيث ظهر ضحايا مفترضون يفتحون عيونهم قبل انتهاء التصوير، كما أن المنظمة نشرت صورا، زعمت أنها لضحايا سوريين، اتضح أنها لضحايا من العراق وخارج سوريا.
 
روسيا من جانبها تشير إلى أن تقرير «بى بى سى» ليس مجرد خطأ للمراسل، لكنه جزء من سياسة بريطانية فى توظيف الإعلام لصالح مصالحها وأهدافها، لكن الهيئة الإعلامية البريطانية، تؤكد أن الهجوم وقع وأن تشكيك مراسلها، يتعلق بالصور وليس بالموضوع.

القسم: 

على الرغم

على الرغم من أنها تبدو أسئلة بسيطة، لكنها تلخص الكثير من التفاصيل والتشابكات والتقاطعات التى خيمت على السياسة والصراع فى الشرق الأوسط.. وسوف تظل تنظيمات مثل داعش وإخوته فى سوريا والعراق أحد أهم ألغاز السياسة خلال العقود الأخيرة. طرح الرئيس عبدالفتاح السيسى أسئلة أمام مؤتمر ميونيخ للأمن عن مَن يمول الإرهاب والتنظيمات الإرهابية بالمال والسلاح ويدعم نقلهم إلى مناطق التمركز. من يجمع المقاتلين من كل دول العالم ليدفع بهم إلى سوريا والعراق وليبيا؟ قد يكون من الصعب على بعض المشاركين فى المؤتمر أن يجيبوا على هذه الأسئلة، وإن كانت الأسئلة تحمل إشارات إلى أطراف متعددة ساهمت بالتمويل والدعم فى قيام وتوسع داعش وتنظيمات الإرهاب متعددة الأغراض والتى تمثل فى وجهها الظاهر نموذجا لما يسمى «الإرهاب المعولم».
 
هناك بالفعل أطراف ودول وأجهزة شاركت بشكل مباشر أو غير مباشر، فى إقامة تنظيم داعش، أحد أكثر تنظيمات الإرهاب دموية فضلا عن كونه مؤشرا على التحولات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة.
 
داعش تشكل حول نواة من تنظيم القاعدة فى أعقاب غزو العراق عام 2003، وأن هذا تم بمعرفة من القوات الأمريكية، حيث حصل الزرقاوى على مجال للتحرك قبل أن يتم تصفيته ليظهر تنظيم داعش من خلال تجميع لفلول من الجيش العراقى مع القاعدة. تساءل الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال الجلسة الرئيسية بمؤتمر ميونيخ للأمن عن من يقوم بدعم وتمويل ونقل المقاتلين الأجانب، وذلك ردًا على سؤال رئيس مؤتمر ميونيخ فولفجانج إيشنجر.
مؤتمر ميونيخ للسياسات الأمنية، يشارك فيه نحو 35 من رؤساء الدول والحكومات و50 من وزراء الخارجية و30 من وزراء الدفاع و600 من الخبراء العسكريين والأمنيين والدبلوماسيين، وبالطبع فإن الرئيس كان يتحدث عن أمر يعرفه عدد كبير من هؤلاء المشاركين، ويشير إلى دول وأطراف تورطت مباشرة فى دعم الإرهاب.
 
كان تنظيم داعش وإخوته مثل النصرة وفتح الإسلام وغيرها مجرد أدوات لتنفيذ خطط وتوجيهات، خاصة أن داعش كان من التنظيمات التى نشأت من مقاتلين تم جمعهم من كل دول العالم، وتجنيد شباب صغير السن ليس فقط من تونس وليبيا والجزائر ومصر واليمن والسعودية والكويت والعراق، ومن كل دول أوروبا، وحسب تقرير مركز «مجموعة صوفان» الاستشارى للشؤون الأمنية الذى صدر فى أكتوبر 2017، فإنّ عددهم أكثر من 40 ألف أجنبى من 110 دول.
 
وفى عام 2014، اجتاح داعش العراق من سوريا، واستولى على مساحات واسعة من الأراضى، بما فى ذلك الموصل، ثانى أكبر مدينة فى العراق، وفى ذروة سيطرة داعش، حصل على نحو 50 مليون دولار شهريا، ونهب 500 مليون دولار أخرى من المصارف فى المناطق التى سيطر عليها. وباع من خلال تركيا وبمعرفة أردوغان البترول المنهوب من سوريا والعراق، كما حصل على آلاف السيارات الدفع الرباعى ماركة تويوتا الشهيرة، والتى رصدت فواتير شرائها عن طريق دول إقليمية، وكانت تركيا ممرا لدخول وخروج الإرهابيين إلى سوريا، بل إن بعضهم كان يتلقى العلاج فى مستشفيات تركية، وقد نشرت روسيا تقارير مصورة تؤكد ضلوع تركيا فى دعم داعش والتعاون مع التنظيم، وكانت هذه الأوراق ضمن خطط تركيا فى كشف الدور التركى فى أعقاب الصدام بعد دخول تركيا بثقلها فى سوريا وكشف تفاصيل العلاقات المعقدة.
 
كما كانت إشارات الرئيس واضحة إلى عملية نقل الإرهابيين من سوريا والعراق إلى ليبيا، وعدد الإرهابيين الأجانب المضبوطين والمقتولين ضمن صفوف الإرهابيين فى ليبيا، ارتباطا بعمليات متعددة وتحركات معروفة. وبالعودة إلى أسئلة الرئيس أمام مؤتمر ميونيخ عن داعمى وممولى الإرهاب، فإنها ألقت حجرا ينتظر أن يحرك مياها فى بركة الإرهاب الممول إقليميا ودوليا.

القسم: 

تغيرت أولويات

تغيرت أولويات القوة والسلطة، وحلت الحروب الاقتصادية فى العالم مكان التقليدية، ويوصف جيمس أندرو لويس، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الحرب الحديثة، أنها السعى لامتلاك وتسويق التكنولوجيا ويقول ل-«سى إن إن بيزنس»: فى القرن العشرين، كانت الصلب والفحم والسيارات والطائرات والسفن والإنتاج الكثيف مصادر القوة الوطنية، لكن اليوم أصبحت أسس الأمن والسلطة مختلفة.
 
 وهو ما يتجسد فى الحرب التجارية التى تتخذ أبعادًا أمنية وسياسية،  بين الولايات المتحدة والصين، منذ تولى دونالد ترامب، فقد فرضت أمريكا رسومًا على وارداتها من الحديد الصينى، وردت الصين بالمثل، لكن المعركة الجديدة وصلت إلى اتهامات بالتجسس والتهديدات الأمنية، حيث شنت أمريكا هجومًا على معدات الاتصالات الصينية واعتبرتها تهديدًا للأمن القومى، ووجهت لأوروبا تحذيرات من الاعتماد عليها، وفى المجر أعلن وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو، عن وجود  مخاطر أمنية من استخدام معدات تابعة لشركة «هواوى» للتكنولوجيا،وردت الصين باتهام أمريكا أنها تلفق الاتهامات وتردد اتهامات بلا أدلة.
 
وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية هوا تشون يينج، إن تحذير الجانب الأمريكى بشأن «مخاطر أمنية» لا يتماشى مع وضع أمريكا كدولة عظمى، خاصة أنها لم تقدم أى دليل على أن معدات شركة «هواوى» تشكل تهديدًا لأمنها القومى، معتبرة أن إثارة مثل هذه المخاوف هدفها تحقيق «مصالح ذاتية».
التصريحات المتبادلة فصل من حرب تجارية تتخذ شكلًا سياسيًا وأمنيًا بدأت منذ العام الماضى بعد القبض فى كندا على مينج وان تشو، المديرة المالية لـهواوى، بناءً على مذكرة أمريكية تتهمها بالتجسس وخرق العقوبات على إيران.. وردت الصين باعتقال كنديين وحكمت على ثالث بالإعدام، وهو ما دفع السلطات الكندية لإطلاق سراح مينج.
 
كما سعت وزارة العدل الأمريكية إلى اتهام بسرقة هواوى لأسرار تجارية من شركائها الأمريكيين. وتقدم مشرعون أمريكيون بمشروع قانون يحظر تصدير قطع الغيار والمكونات الأمريكية إلى شركات الاتصالات الصينية، وأعلن  السيناتور الجمهورى توم كوتون أحد رعاة مشروع القانون «هواوى هى ذراع لجمع المعلومات فى الحزب الشيوعى الصينى، ومؤسسها ورئيسها كان مهندسًا لجيش التحرير الشعبى». وهو ما دفع مؤسس هواوى رين تشينجفاى لينفى فى مقابلة نادرة تورط شركته العملاقة فى أعمال تجسس لصالح الحكومة الصينية.
 
ويرى محللون أن الحملة جزء من حرب تجارية بدأها الرئيس دونالد ترامب، عندما دعا إلى زيادة التصنيع على الأراضى الأمريكية، وفرض رسوم عالية على البضائع الصينية لمواجهة المنافس الصينى العنيد. ويرى المحللون أن الإجراءات الأمريكية تهدف لدعم شركة آبل المنتجة لهواتف آيفون بعد تراجعها للمركز الثالث عالميًا خلف الشركات الصينية، ومخاوف أمريكية من هيمنة الصينيين على تقنية اتصالات الجيل الخامس. 
 
الصين وجهت ضربة لشركة آبل بقرار حظر البيع عن أنواع عديدة من هواتفها بتهمة انتهاك براءات اختراع.. وأن الصين تدافع عن منتجاتها، وتواجه الهجوم الأمريكى بهجوم مضاد. خاصة أن الشركة الصينية ثانى أكبر مصنع للهواتف الذكية فى العالم وأكبر منتج لمعدات الاتصالات.  وتجسد طموحات الصين لتصبح قوة مهيمنة على أكبر حصة ممكنة من قطاع التكنولوجيا عالميًا، وتضخ بكين مئات المليارات فى خطة تهدف إلى تصدر صناعات الروبوتات والسيارات الكهربائية ورقائق الكمبيوتر. فيما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على تفوق الشركات الأمريكية، وبشن حروب سياسية وأمنية وإعلامية ضد المنتجات الصينية التى تجتاح الأسواق العالمية. 
 
ولا أحد يعرف المدى الذى تصل إليه هذه الحرب، التى تتخذ أشكالًا سياسية بينما هى تجارية بحتة.

القسم: 

ونحن نتحدث

ونحن نتحدث عن أفريقيا وعلاقتنا بالقارة وبعدنا الاستراتيجى وكيفية بناء علاقات دائمة سياسية واقتصادية، طبيعى أن نحاول معرفة ما نتحدث عنه، وما نسعى إليه لأننا بصدد قارة مترامية الأطراف ثرية ومتنوعة جغرافيًا وإنسانيًا، تضم أعراقًا ولغات وطوائف متعددة، علينا ونحن نفكر فى العودة لأفريقيا، واستعادة القارة، أن نعرف عنها الكثير. وربما علينا أن نعترف بأننا لانعرف الكثير عن دول أفريقيا وأننا انقطعنا عقودًا عن قارة نشاركها الكثير. والاعتراف هو أولى خطوات المعرفة.
 
وقد أشرت لذلك قبل شهور عندما قادنى حسن الحظ لرحلة إلى جمهورية غانا، هناك اكتشفت أننى لا أعرف الكثير عن غانا ولا أفريقيا وأن معرفتنا أقل مما ينبغى، وما يتناسب مع سعينا إلى هذا العالم. وربما يكون من أهم خطوات الاتحاد الأفريقى أن يتيح المعلومات حول دول القارة بالتفضيل ويتيح للشعوب الأفريقية أن تتبادل الزيارات حتى لو كانت السياحة الأفريقية أحد بنود العمل فى المرحلة المقبلة. لأنه حتى المعلومات المتاحة على شبكات التواصل ومحركات البحث عن أفريقيا أقل كثيرًا مما تستحق القارة، وأتذكر أننا فى مصر خلال الخمسينيات والستينيات كانت هناك سلاسل كتب ومطبوعات عن كل دول أفريقيا وكانت سلسلة الدراسات الأفريقية مهمة فى هذا الإطار، ربما تحتاج هذه الكتب إلى تحديث، وهناك تطورات تكنولوجية تتيح إنشاء مواقع تقدم معلومات حقيقية عن أفريقيا ومميزات وصفات كل بلد وتقاليدها الاجتماعية وتوزيعها السكانى. وما تتميز كل بلد أفريقى بإنتاجه وما تحتاج إليه.
 
الدول الأفريقية غنية بالموارد والفرص، لديها ثروات هائلة زراعية وتعدينية وأراض بكر تفتح بابها للاستثمار وبعضها يحتاج إلى خبرات هندسية أو زراعية، أو أياد عاملة مدربة، وبعضها لديه أياد عاملة ويحتاج إلى تدريب أو مشورات فنية. كل هذا يفترض أن يكون معروضًا بشكل مفصل بدعم من الاتحاد الأفريقى، وحتى من باب المصالح المشتركة، فإن المعلومات مهمة لكل الأطراف، فى عصر تشكل المصالح هدفًا مهمًا وأساسيًا.
 
عندما كنت فى غانا نوفمبر الماضى، اكتشفت أننا لا نعرف الكثير عن هذا البلد الذى ارتبطنا به تاريخيًا وروحيًا، ويفترض أن تكون أكثر تواجدًا ليس من باب المصلحة فقط، لكن من باب التعاون والمصير المشترك، ولهذا أشرت إلى أهمية توفير خرائط للمعلومات حول أفريقيا التى لا نعرف عنها الكثير. ونفس الأمر ينطبق على دول أفريقيا المختلفة، وهناك بالفعل تواجد وتنافس بين الاستثمارات الدولية فى أفريقيا ومن دول بعيدة عن هذا الواقع.
 
لقد تطور الاتحاد الأفريقى كثيرًا خلال العقود الماضية، وانتقل من منظمة الوحدة الأفريقية إلى اتحاد 2002، وعليه تقع الكثير من الأعباء فى ظل تحديات تواجه القارة، منها مساندة الدول التى تواجه صراعات داخلية على التوصل إلى حلول تمهد للاستقرار، ومساندة الفقراء فى بعض الأقاليم وكلها عناصر مهمة فى مواجهة التطرف والهجرة غير الشرعية. والتجارة والتكامل الاقتصادى وتوطين التكنولوجيا.
 
ويبدو لافتًا أن تكون لدينا كل هذه التحركات حول أفريقيا، ولا توجد بوابات معلوماتية تتبع الاتحاد الأفريقى أو قناة واحدة تليفزيونية تخاطب شعوب القارة وتعرض وتنشر ثقافاتهم وفنونهم وعالمهم، وتخاطب جمهورًا يحتاج إلى التعارف وإلى التفاعل. وتفتح أبواب التعاون والتفاعل الاقتصادى والاجتماعى والثقافى وهى خطوات ليست صعبة فى ظل التطور التكنولوجى الحادث. كل هذا يمكن للاتحاد أن يوفره بإمكانات مشتركة من دول القارة.

القسم: 

تتسلم مصر

تتسلم مصر رئاسة الاتحاد الأفريقى فى دورته الجديدة، فى وقت تواجه فيه الدول الأفريقية تساؤلات مصيرية عن المستقبل، وتمثل فيه التنمية أحد أهم أعمدة التقدم، تمتلك الدول الأفريقية ثروات ضخمة زراعية وتعدينية، ومع هذا تعانى دول كثيرة من أزمات متعددة تنعكس فى الفقر والمرض ونقص الغذاء، فضلًا عن عدم الاستقرار. وعليه فإن وجود الاتحاد الأفريقى كمنظمة نشطة، تمكن أفريقيا من تخطى العقبات التى تحول دون التنمية، أو تستطيع حل أزمات تراكمت على مدى عقود وعطلت بعض الدول عن دورها وحرمت شعوبها من الاستقرار والتنمية. وذلك بمواجهة المشكلات المزمنة كالفقر والبطالة، والتى تؤدى إلى الصراعات والهجرة غير الشرعية. وهو ما تؤكد عليه مصر دائمًا، ويؤكده الرئيس عبدالفتاح السيسى.
 
ظلت علاقة مصر بأفريقيا مثار تساؤل على مدى العقود الماضية، خاصة بعد أن تراجعت هذه العلاقة، التى بلغت أقصاها خلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. بعد الحرب العالمية الثانية بدأت الشعوب الأفريقية تنظر لثرواتها وواقعها بحثًا عن واقع أفضل تخرج به من التخلف والفقر والمرض، وتحكم مصائرها. وتزامن هذا مع صعود دول مثل مصر فى استقلالها ولهذا رأت أن مصالحها تقوم أكثر فى مجال متحرر يسيطر فيه الأفارقة على مقدراتهم وثرواتهم.
 
ودعمت مصر حركات التحرر واستضافت قادة التحرر، ويمكن التعرف على هذا فى شهادات قادة التحرر مثل نيلسون مانديلا، وسنجور ونكروما، كما استقبلت مصر مئات الأفارقة فى الجامعات المصرية وأرسلت بعثات علمية ودبلوماسية. وكان السعى إلى الاستقلال مصحوبًا بطموحات التنمية المستقلة، وسيادة الدول الأفريقية على ثرواتها.
 
وقطعت فكرة التوحد الأفريقى طريقًا طويلًا من بداية عقد الستينات بعد استقلال 15 دولة. وكان أول تجمع لدول أفريقيا بمؤتمر أكرا «عاصمة غانا» من 15-24 أبريل 1958، وأعلن دعم استقلال الدول الأفريقية، حتى أقر مؤتمر أديس أبابا ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية، فى 22 مايو 1963، إذ اجتمع رؤساء «30» دولة أفريقية مستقلة، ووقعوا على ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية الذى عدوه دستور المنظمة، وتم الإعلان عن إنشاء المنظمة رسميًا فى 25 مايو 1963، على أن تكون عضوية هذه المنظمة مفتوحة للدول الأفريقية المستقلة ذات السيادة، بما فى ذلك الجزر الأفريقية شريطة أن تؤمن هذه الدول بمبادئ المنظمة المتمثلة فى سياسة عدم الانحياز، وعدم ممارسة التفرقة العنصرية حتى تأسس الاتحاد الأفريقى فى 9 يوليو 2002 خلفًا لمنظمة الوحدة الأفريقية.
 
وخلال العقود الأخيرة شهد العالم العديد من التحولات، والصراعات، فضلًا عن حلول المصالح والتنمية مكانًا مهمًا فى بناء واقع جديد أفريقيًا، وعليها فإن الاتحاد الأفريقى اتخذ خلال السنوات الأخيرة مجالًا واسعًا للتعاون الاقتصادى والتجارى، وأن تبقى هناك تنمية مستقلة وعوائد عادلة للشعوب الأفريقية.
 
اليوم فإن دول أفريقيا ترى أن التنمية بالتعاون يمكن أن تكون أكثر قدرة على بناء المستقبل، وتؤكد مصر أن عدم الاستقرار أو تعرض دولة للإرهاب أو التطرف أو الحروب الأهلية يؤثر بالسلب على باقى دول القارة، وأن الفقر والتخلف ليس قدرًا، وإنما هو اختيار يتطلب وضع أسس الاستقرار. كما تحرص مصر على تأكيد أهمية مواجهة البطالة والفقر والمرض بشكل جماعى فى دول القارة بما يعيد لمواطنيها قدراتهم على الفعل ورسم مستقبلهم بشكل واضح.
وتوظيف الإمكانات والثروات، فى عالم لا يعرف سوى لغة المصالح. وفى عصر تفرض فيه التكنولوجيا والاتصالات طريقًا للتنمية الحديثة والتدريب وتبادل الخبرات.

القسم: 

ظلت هناك

ظلت هناك توقعات مختلفة بأن الشكل التقليدى للسياسة، والأحزاب القديمة تواجه تحولات، وتفقد تأثيرها لتصلح تيارات بلا أيديولوجيات واضحة، وربما بخبرات تختلف عما ساد لفترة، وبعد أن كانت التيارات الليبرالية والمحافظة التقليدية فى أوروبا تتحدث عن «نهاية الأيديولوجيا» قاصدين الاشتراكية، لكن هذه التيارات نفسها تفقد أرضيتها لصالح الزحف الكبير لتيارات تحمل أفكارا مختلفة، وبعضها عنيف ولا يخلو من نزعات قومية ورفض للأجانب.
 
وعليه وفى الوقت الذى تواجه فيه بريطانيا أزمة الخروج من الاتحاد الأوروبى بريكست فى 29 مارس المقبل، أعلن حزب «بريكست» عن نفسه ليكون أحدث الأحزاب وأيضا الذى يحمل رمزية الخروج من الاتحاد الأوروبى، فقد تم الإعلان عن ولادة حزب «بريكست» برئاسة النائب نايجل فاراج، أحد أكثر المتحمسين والداعمين لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبى، وقال فاراج فى مقابلة مع صحيفة «تلجراف»: «إن الحزب تأسس بكامل دعمى مع نية المشاركة بالانتخابات الأوروبية فى 23 من مايو، حال لم يتم تطبيق بريكست، ويمثل هذا الحزب أحد علامات التحول السياسى فى أوروبا».
 
وفى الوقت الذى تخوض فيه رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماى أكبر معارك البريكست بعد رفض خطتها للخروج، التى عقدتها مع الاتحاد الأوروبى، فإن فرنسا لاتزال تواجه هى الأخرى أزمة السترات الصفراء، التى بدأت كرد فعل على رفع أسعار الوقود، وتحولت إلى تعبير أوسع عن الغضب لارتفاع تكاليف المعيشة على أبناء الطبقة المتوسطة، حيث يرى مواطنو فرنسا ومعهم مواطنون من الدول الأوروبية الغربية أنهم يدفعون ثمن توسيع الاتحاد الأوروبى والسماح بانضمام دول شرق أوروبا، التى ينافسهم مواطنوها فى الوظائف والفرص.
 
وبالتالى، فإن المظاهرات التى تتهم النظام بالانحياز للأغنياء والشركات الكبرى على حساب الطبقة الوسطى، وهم ليسوا بعيدين عن اليمين الصاعد فى أوروبا الذى يعادى اللاجئين والأجانب، وقد ظهر هذا فى مظاهرت السترات الصفراء، بل إن الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه فاز فى الانتخابات الفرنسية بسبب الخوف من اليمين.
 
ففى إبريل 2017 كانت الجولة الأخيرة للانتخابات الرئاسية بين مارى لوبان ممثلة اليمين المتطرف، وإيمانويل ماكرون الذى وصل إلى جولة الحسم ووجدت النخبة السياسية التقليدية نفسها تقف خلفه، فى مواجهة لوبان، بالرغم من أن اليمين واليسار بتنوعاته والنخب السياسية التقليدية لم تكن ترى فى ماكرون سياسيا يصلح لإدارة البلاد.
 
ماكرون الذى اعتبره السياسيون بلا خبرة لا ينتمى لأى من المعسكرات التقليدية، كان عضوا فى الحزب الاشتراكى تركه ليؤسس حزب إلى الأمام وهو حزب خارج أطر الأحزاب اليمينية واليسارية التقليدية، وكشف صعود ماكرون ومارى لوبان عن حجم التغيرات فى تركيبة الانتخابات واتجاهات التصويت، وهى حالة لا تقتصر فقط على فرنسا، لكنها تمتد إلى أوروبا ضمن موجات من التحول تمثل تفاعلات لعقود ماضية.
 
وفى ألمانيا أعلنت آنجيلا ميركل بعد أقل من عام فوزها بالولاية الرابعة للمستشارية الألمانية، عن نيتها فى عدم الترشح فى انتخابات 2021، والتخلى عن رئاسة الحزب المسيحى، وقد شهدت الانتخابات الأخيرة فى ألمانيا، أقوى صعود لليمين الشعبوى، حيث حقق الحزبان المحافظان الحاكمان الاتحاد المسيحى الديمقراطى، والاتحاد المسيحى الاجتماعى %33، بينما حصل حزب البديل لألمانيا اليمينى القومى المتشدد على %13، وجاء فى المركز الثالث بعد الحزب الاشتراكى الديمقراطى ويشجع حزب البديل انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبى ويعادى اللاجئين والأجانب عمومًا.
 
كل هذه المعطيات تشير إلى تغيرات فى الشكل والمضمون للسياسات الأوروبية تتفاعل وتنتج أشكالا مختلفة، ظلت مجرد توقعات وأفكار.

القسم: